الرئيسية ⁠عربي ودوليمهاجمة أساطيل كسر الحصار.. هل يخسر الاحتلال حرب الصورة؟

مهاجمة أساطيل كسر الحصار.. هل يخسر الاحتلال حرب الصورة؟

من mk
A+A-
Reset

لم يكن اعتراض الكيان الصهيوني لسفن كسر الحصار عن غزة حدثا عابرا، بل مثل نقطة تحول بارزة في صورته الإعلامية المشوهة أمام العالم.
وأظهر هذا الحدث عجز الاحتلال عن الالتزام بالقيم الإنسانية والمعايير الدولية، خاصة في تعامله مع سفن مدنية كانت تحمل مساعدات إنسانية أساسية مثل حليب الأطفال والأدوية.

وعرّى هذا السلوك سياسات الكيان الصهيوني أمام الرأي العام، وأضعف من قدرته على تبرير أفعاله أمام المجتمع الدولي.
وأشارت التقارير بوضوح إلى أن الاعتراض ساهم بشكل مباشر في تراجع صورة الاحتلال لدى الرأي العام الغربي، حيث واجهت السردية الصهيونية عن الديمقراطية واحترام القانون تحديا جديا.
في المقابل، تعززت رواية الفلسطينيين والمتضامنين معهم ضمن الإعلام الغربي، ما أدى إلى خروج موجات من الاحتجاجات في عدة دول أوروبية، خاصة في إسبانيا وبلجيكا وإيطاليا.
وجعل استمرار تغطية معاناة المدنيين في غزة من خلال الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي الاحتلال في موقف ضعيف ضمن معركة الصورة والرواية، حيث باتت صور الأطفال المحاصرين ونقص الحاجات الأساسية حاضرة بقوة في وسائل الإعلام، ما رسخ انطباعا سلبيا عن سياسات الاحتلال تجاه القطاع.
ويمكن القول إن الكيان الصهيوني خسر الكثير من رصيده الأخلاقي والإعلامي نتيجة اعتراضه أسطول الحرية وأسطول “الصمود العالمي”، وأصبح من الصعب عليه إقناع الرأي العام الدولي بسرديته السابقة حول “حق الدفاع عن النفس” أو احترام القوانين الدولية، في حين أسهم هذا التحول في عزلته المتزايدة على المستوى الدولي.
انكشاف إستراتيجي للاحتلال
وفي هذا الصدد، قال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الألمانية الأردنية الدكتور بدر الماضي، إن الأسطول البحري الإغاثي الذي انطلق بهذا الحجم وبتلك التغطية الإعلامية الواسعة لم يكن مجرد مبادرة إنسانية فحسب، بل حمل أهدافا إستراتيجية بعيدة المدى.
وأشار الماضي إلى أن من أبرز هذه الأهداف، وضع دولة الاحتلال في زاوية ضيقة وكشف عجزها عن الانسجام مع القيم الإنسانية العالمية أو العمل وفق المعايير الأخلاقية والدولية المتعارف عليها، حتى في حدها الأدنى.
وأوضح أن اعتراض الكيان الصهيوني لهذا الأسطول مثّل ضربة قاسية لصورته الدولية، إذ ألحق ضررا بالغا بسمعته يفوق ما أصابه في الفترة الأخيرة جراء انكشافه الإستراتيجي بسبب عدوانه المستمر على قطاع غزة، في ظل غياب أي ضوابط أخلاقية أو قانونية أو دولية تحكم سلوكه ضد أبناء الشعب الفلسطيني المحاصر في القطاع.
وأضاف إن ما جرى يعد ضررا كبيرا لدولة الاحتلال، التي تخسر يوما بعد يوم الصورة الإعلامية التي كانت تحرص على ترويجها للعالم، كما تخسر قدرتها على إقناع المجتمع الدولي بادعاءاتها بأنها دولة ديمقراطية تحترم الحقوق.
وتابع قائلا إن دولة الاحتلال أنهكت نفسها على مدى عقود في محاولة تلميع صورتها أمام العالم الغربي وإقناعه بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن ما حدث سيترك تداعيات عميقة وفاعلة في السنوات المقبلة.
ومع ذلك، شدد على ضرورة إدراك أن الاحتلال يسعى في المقابل لتجنب مثل هذه الخسائر الفادحة عبر مخططات جديدة، أبرزها محاولات شراء مؤسسات إعلامية كبرى أو التأثير على منصات إعلامية ضخمة من خلال رجال أعمال نافذين على مستوى عالمي، يرتبطون بعلاقات وثيقة معها، في محاولة لتخفيف حدة الانتقادات وتقليص حجم انكشافه الإستراتيجي أمام الرأي العام العالمي.
وأشار الماضي إلى أن الأجيال الجديدة خصوصا في أوروبا والولايات المتحدة، باتت تعيد رسم مستقبلها السياسي بشكل متحرر وأكثر استقلالية، وهو ما يعزز من صعوبة موقف الاحتلال، خاصة مع وجود فضاء رقمي واسع عبر منصات مثل “إنستغرام” و”تيك توك” و”فيسبوك”، التي تسمح بانتشار واسع للرواية الفلسطينية وتكشف ممارسات الاحتلال أمام ملايين المتابعين حول العالم.
وشدد على أن دولة الاحتلال ستبقى الخاسر الأكبر في هذه المعركة الإعلامية والرمزية، إلا أن الخشية تبقى من قدرتها على إعادة ترتيب أوراقها وترميم صورتها من خلال حملات دعائية واسعة النطاق، قد تضخ فيها الكثير من الأكاذيب، ليس فقط ضد الشعب الفلسطيني وإنما أيضا ضد الدول الصديقة التي تساند قضيته وتقف إلى جانب القضايا العربية.
أسطول غزة يفضح الحصار
بدوره، قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور خالد شنيكات، إن كيان الاحتلال ومنذ عملية طوفان الأقصى، أخذت تتراجع صورته تدريجيا أمام العالم الغربي بعد أن كان يقدم طويلا بوصفه “دولة ديمقراطية”، تتداول السلطة سلميا وتلتزم بالقانون بل وتعتبر نموذجا حضاريا في المنطقة.
وأوضح شنيكات أن ممارسات جيش الاحتلال الأخيرة وما تخللها من انتهاكات، أضعفت هذه الصورة بشكل ملحوظ وهو ما بدأت تعكسه استطلاعات الرأي في عدد من الدول الغربية.
وأشار إلى أن حجم التأييد للقضية الفلسطينية ارتفع بصورة لافتة في دول مثل إسبانيا وإيطاليا وحتى في الولايات المتحدة، حيث تجاوزت نسبة المؤيدين للنضال الفلسطيني النصف، مع وجود تفاوت بين أنصار الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لصالح الديمقراطيين الذين يبدون ميلا أوضح نحو دعم حل القضية الفلسطينية وإقامة دولة مستقلة.
وأضاف إن الأسطول الأخير الذي تحرك باتجاه قطاع غزة حمل رسالة رمزية تهدف إلى لفت أنظار العالم لمعاناة سكان القطاع، الذين يخضعون منذ أكثر من 18 عاما لحصار مشدد شكل كارثة إنسانية متواصلة.
وأوضح أن مبادرات من هذا النوع ليست جديدة، إذ سبق أن جرت محاولة عام 2010 لكنها لم تنجح في الوصول إلى غزة، بينما شهدت المحاولة الأخيرة مشاركة عدد أكبر من السفن والمتطوعين وسط تغطية إعلامية واسعة، أكدت منذ البداية أن هذه السفن مدنية الطابع وتحمل مواد غذائية وأدوية وحليبا للأطفال دون أي أسلحة أو ممنوعات، الأمر الذي يجعل من الطبيعي أن يسمح لها بالوصول إلى القطاع كمبادرة إنسانية.
وبين شنيكات أن دولة الاحتلال واجهت هذه السفن بالقوة عبر خراطيم المياه وأساليب أخرى هدفت إلى منعها من التقدم، وذلك في محاولة للإبقاء على الحصار وإرسال رسالة إلى المجتمع الدولي بأنها تعاملت بطريقة “حضارية” لا تتسبب بخسائر بشرية، حيث حرصت على تفادي وقوع قتلى بين المشاركين.
وشدد على أن هذه الممارسات تظل مخالفة للقانون الدولي، وتعكس إصرار الاحتلال على إبقاء الحصار وتجويع السكان كجزء من إستراتيجيته الحربية.
ولفت إلى أن ما أعقب هذه الحادثة من مظاهرات في إسبانيا وبلجيكا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى مؤيدة للأسطول ومعارضة للحصار، يعكس التراجع المتسارع في صورة الاحتلال على المستوى الشعبي، ويؤشر إلى اتساع الفجوة بينه وبين الرأي العام الغربي.
وأكد أن الاحتلال يخسر يوميا على المستوى الإعلامي وفي ميدان الرأي العام، وأن استمرار الحرب سيضاعف هذه الخسائر مع انتشار مقاطع الفيديو القادمة من غزة، التي توثق حجم المأساة الإنسانية من دمار واغتيالات ومجازر، إلى جانب المستشفيات المنهارة والأطفال الذين يعانون الجوع.
وأشار شنيكات إلى أن هذه الصور ستبقى محفورة في الذاكرة الجمعية العالمية لفترة طويلة وتشكل شاهدا على حجم الجرائم المرتكبة.
مساعدات تمنح غزة صوتا عالميا
من جانبه، قال مدير مركز ثبات للبحوث جهاد حرب إن صورة دولة الاحتلال على المستوى الدولي تتعرض لتآكل كبير، خصوصا في الدول التي ينتمي إليها ناشطون كانوا على متن السفن المشاركة في الأسطول، والبالغ عددها 44 سفينة، وعلى متنها نحو 500 ناشط من جنسيات متعددة، أغلبهم من أوروبا.
وأوضح حرب أن ما جرى في إسبانيا من استدعاء القائم بأعمال سفير الاحتلال خير دليل على حجم الضرر الذي لحق بصورة الكيان، بعد أن منع إدخال مساعدات إنسانية متواضعة موجهة للفلسطينيين عبر هؤلاء الناشطين.
وأضاف إن السردية الصهيونية -حتى الآن- عجزت عن مجاراة سردية المظلومية التي يتبناها الفلسطينيون والمتضامنون معهم، حيث وجد الخطاب الإنساني الداعم لغزة صدى واسعا في الرأي العام العالمي، ما يعزز موجات الاحتجاج داخل عدد من الدول الأوروبية وغيرها ضد السياسات الصهيونية، وضد استمرار حرمان الفلسطينيين من المساعدات.
وأشار إلى أن هذا المسار يتطور تدريجيا في الإعلام الغربي، في وقت يتضح فيه أن الاحتلال يخسر المعركة الإعلامية جراء ما يرتكبه من اعتداءات بحق المدنيين والناشطين في ظل حالة غضب عالمي متصاعد تجاه مشاهد القتل والدمار في قطاع غزة.
ولفت حرب إلى أن رؤية المجتمع الدولي لاقتحام جنود الاحتلال سفنا صغيرة لا تحمل سوى ناشطين مدنيين ومساعدات إنسانية، من بينها حليب للأطفال، يلحق ضررا بالغا بصورة الكيان، خصوصا أمام شعوب الدول التي ينتمي إليها هؤلاء المتطوعون المشاركون في “أسطول الحرية”.
وأكد أن الاحتلال يبدو خاسرا في ميدان السرد الإعلامي وتعامله مع وسائل الإعلام العالمية، فضلا عن مواجهته المستمرة للناشطين الأوروبيين والدوليين الذين يسعون إلى تسليط الضوء على معاناة سكان قطاع غزة.

شاهد ايضا

Focus Mode