د. خير أبو صعيليك.
برزت فكرة الممرات الاقتصادية ( الكريدور) كمفهوم يستهدف تكامل الاسواق وزيادة الفوائد الاقتصادية والتنموية من الاسواق الدولية والمحلية استنادا الى مسارات متكاملة وربط جغرافي للمناطق الاقتصادية الانتاجية مع اسواق الاستهلاك اعتمادا على بنية لوجستية متينة ومستدامة ومرنة، الامر الذي يسهم في تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية المحلية وخلق فرص العمل وذلك من خلال انشاء وتطوير الخدمات اللوجستية كالنقل والتخليص والخدمات الرقمية اضافة الى تحسين مرونة سلاسل الامداد وتعزيز الاستثمار في قطاعات ذات صلة مثل قطاع الامن الغذائي والقطاع الصناعي والطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والاستثمار اللوجستي والخدمي.
عرف الاقتصاد امثلة عديدة لفكرة الممرات الاقتصادية ارتبط الكثير منها بتحديات جيوسياسية كمبادرة الحزام الاقتصادي لطريق الحرير التي اعلنت عنها الصين في عام 2013 أحياء لطرق التجارة القديمة التي تربط الصين بالأسواق الأوروبية مستهدفا 35 % من الاقتصاد العالمي. ومن الامثلة الاخرى على هذا المفهوم الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الاوسط وأوروبا أو ما يسمى طريق التوابل والتي تستهدف تطوير بنية تحتية للدول المعنية بالممر تصل الى 40 مليار دولار خلال العقود الثلاثة القادمة. ومن امثلة هذه الفكره ممر لوساكا- دار السلام او ما يطلق عليه حزام النحاس والذي يستهدف نقل صادرات زامبيا وخاصة النحاس الى المحيط الهندي عبر خط سكة حديد يمتد لمسافة تقارب 1800 كم. كما لا يغيب عن البال قناة السويس كأحد اهم الممرات المائية التي يمر من خلالها ما يقارب 10 % من حجم التجارة العالمية.
تحتل المملكة الاردنية الهاشمية موقعا جغرافيا فريدا، فالمملكة مؤهلة لأن تكون بوابة دخول البضائع من تركيا وسورية ولبنان والبحر الاسود والاسواق الاوروبية الى دول الخليج العربي والعراق والعكس صحيح، يضاف الى ذلك الميزة الاهم وهي حالة الاستقرار السياسي والامني طويلة الامد والتي تشكل بعدا مهما للاستدامة والثقة وكذلك توافر موارد بشرية كفؤة وقادرة على رفد الفكرة بالقدرات المناسبة. ومن المهم هنا الاشارة الى مكونات رؤية التحديث الاقتصادي وبخاصة مكون الخدمات المستقبلية واعتبار الأردن وجهة عالمية والتي شخصت محددات فكرة التكامل الاقليمي وبشكل غير مباشر الممر الاقتصادي المتمثلة بعدم وجود بنية تحتية متطورة للسكك الحديدية وعدم كفاية مستوى الخدمات اللوجستية وضعف تنافسية قطاع النقل اضافة الى عدم وجود آليات تمويل ودعم مالي مستدامة.
أُدرك كما يدرك غيري الحساسية السياسية للجغرافيا وتضارب المصالح بين الدول غير انني من انصار البراجماتية الاقتصادية الأردنية مع المحافظة على التوازنات السياسية، وأرى أن إنجاز كريدور الاستثمار الأردني ممكن بل انه ضرورة، وهذا ما عبر عنه رئيس الوزراء في مقابلته مع التلفزيون الأردني عندما أكد أن سكة الحديد الإقليمية أمر حاصل، وأن الأردن إما أن يكون جزءا منه او خارجه، والجواب على سؤال الرئيس هو بالقطع أن الأردن يجب ان يكون جزءا من هذا المشروع الاقليمي الكبير، وإنه من الضروري أن تكون منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة جزءا لا يتجزأ من منظومة السكك الحديدية الإقليمية والاتكاء على الميناء لإكمال حلقة الترابط اللوجستي، وأرى أن تناول هذه الفكرة يجب ألا يتم بشكل تقليدي بل علينا ان نمتلك روح المبادرة لأن البدائل عن تأخر القرار الأردني موجودة في دول اخرى. ومن هنا فإنني أعتقد بضرورة العمل ضمن المحاور التالية:-
1 – الوصول الى تفاهمات واتفاقيات لتعزيز التكامل الاقليمي واستثمار العلاقات السياسية الدافئة التي يرتبط بها الأردن مع الجميع والاخذ بعين الاعتبار الميزة النسبية لدول الجوار، وفي مقدمة هذه الدول المملكة العربية السعودية التي تربطنا بها علاقات اخوية ثابتة وراسخة ارست قواعدها القيادة السياسية في البلدين الاخوين والجارين، فقد اعلن وزير النقل والخدمات اللوجيستية السعودي نهاية العام الماضي ان شبكة السكك الحديدية السعودية تجاوزت 6 آلاف كيلومتر، وكشف عن وجود تعاون مع 8 دول إقليمية لمشاريع مشتركة تعمل على تعزيز الربط البري والاقتصادي في اشارة الى المشروع الخليجي للسكك الحديدية. ومن المهم ايضا الاشارة الى قيام مجموعة موانئ دبي العالمية بتوقيع اتفاقية امتياز تمتد لثلاثين عام مع الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية بهدف تطوير وتشغيل ميناء طرطوس وبالتوازي فقد وقعت سورية ايضا عقدا آخر لمدة 30 عاما مع شركة فرنسية، لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية، وكما هو معلوم فإن موانئ اللاذقية وطرطوس شكلت تاريخيا بوابة البضائع القادمة من البحر الأسود وأوروبا الى دول الاقليم عبر شركة النقل البري الأردنية السورية، مما يعني ان مسار ربط هذه الموانئ مع شبكة السكك الاقليمية هو خيار استراتيجي لا يمكن التغافل عنه اطلاقا.
وضع خطة تنفيذية لإنشاء شبكة السكك الوطنية الأردنية، مع الأخذ بعين الاعتبار الميزات والمزايا التي منحها قانون صندوق الاستثمار الأردني لعام 2016 والتي يمكن الاتكاء عليها من خلال حوافز ذكية يمكن ان تجعل مشاريع السكك ذات جدوى مع الاشارة الى ان معظم المسارات التي يفترض ان تمر بها خطوط السكك هي اصول جامدة تمثل مساهمة الحكومة في هذه المشاريع وفقا لنموذج شراكة حقيقي مع القطاع الخاص.
3 – وضع برنامج تنفيذي لتطوير الخدمات اللوجستية، والشروع في حوار حقيقي مع اصحاب المصلحة وفي مقدمتهم كبار التجار والصناعيين والمستثمرين المحليين والأجانب.
4 – تكثيف حملات الترويج لاستقطاب الشركات اللوجستية العالمية ( تسويق خاص وليس عاما) لإقامة مقراتها الإقليمية في الأردن والاستفادة من البيئة الاستثمارية التي نظمها قانون الاستثمار الاردني لعام 2022، وعدم التردد او التباطؤ في منح الحوافز وفق احكام القانون.
5 – الاستمرار في تعزيز البيئة الاستثمارية في البلاد من خلال استقرار التشريعات الاقتصادية وتقليل مستويات البيروقراطية وهندسة الاجراءات واتمتة الخدمات.
6 – بحث تعظيم استفادة الأردن من اتفاقيات التجارة الحرة التي ترتبط بها المملكة وزيادة القيمة المضافة للخدمات والسلع الأردنية وتسويق الأردن كقاعدة إنتاجية.
نظريا الأردن مؤهل اكثر من غيره لأن يكون ممرا اقتصاديا للإقليم ومصدرا ايضا لبضائعه وخدماته المحلية وفق كلف نقل معقولة، ولكن هذا الاطار النظري غير كاف ما لم يكن هناك ايمان بالفكرة قبل كل شيء ثم مرونة للحركة واطلاق العنان للتفكير الراشد واسناد الامر الى المختصين، فالعالم يتغير بسرعة ولا ينتظر احدا، ورغم ان طريق الكريدور الاقتصادي غير معبدة بعد، إلا أن تحويل هذه الفكرة الى واقع ملموس يعزز جهود الدولة في استدامة النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل حقيقية، الامر الذي يعني ان وضع هذه الفكرة بشكل متكامل على طاولة البحث هو مصلحة وطنية اقتصادية وسياسية بامتياز.