الدكتور نضال المجالي
كمواطن أردني يتابع تجارب التنمية في العالم العربي، أجد نفسي أتوقف طويلا أمام تجربة مؤسسة ربع قرن لصناعة القادة والمبتكرين في الشارقة. ليس لأنها مؤسسة إماراتية ناجحة فحسب، بل لأنها تمثل إجابة عملية على سؤال عربي قديم: كيف نصنع الإنسان قبل أن نطالبه بالإنجاز؟
ما يلفتني في تجربة ربع قرن ليس حجم الأنشطة ولا تنوع البرامج فقط، بل الفلسفة التي تقف خلفها. فالمؤسسة لا تتعامل مع الطفل أو الشاب كحالة مؤقتة تحتاج إلى احتواء سريع، بل كمسار إنساني طويل يبدأ مبكرا ويمتد لعقود. هذا الفهم العميق للزمن التنموي هو ما نفتقده في كثير من المبادرات العربية التي تُولد متأخرة، وتعمل بشكل متقطع، ثم تطلب نتائج كبيرة في وقت قصير.
في الأردن، كما في معظم الدول العربية، نملك طاقات شبابية هائلة، لكننا غالبا نُخضعها لاختبارات قاسية دون أن نوفر لها البيئة التي تنمو فيها بثقة. هنا تحديدا تبدو مبادرات ربع قرن مختلفة؛ فهي لا تلاحق المواهب بعد تشكلها، بل تزرعها منذ الطفولة، وتمنحها المساحة لتخطئ، وتتعلم، وتعيد اكتشاف ذاتها ضمن إطار مؤسسي واعٍ.
ما يجعل هذه التجربة لافتة للنظر عربيا هو تكاملها. فوجود كيانات متخصصة للأطفال والناشئة والفتيات والشباب، تعمل ضمن رؤية واحدة، يخلق مسارا تنمويا متصلا لا ينقطع عند عمر معين. وهذا ما نحتاجه في عالمنا العربي: مؤسسات لا تعمل بمنطق “المشروع”، بل بمنطق “الرحلة”.
ومن موقع المتابع من خارج الإمارات، وكتبت سابقا بنماذج هامة كالهلال الأحمر الإماراتي أرى أن أهمية مبادرات ربع قرن تكمن أيضا في تحرير مفهوم القيادة. فالقيادة هنا ليست منصبا أو لقبا، بل مهارة حياتية تُبنى بالتدريب والممارسة والمسؤولية المجتمعية. هذا المفهوم، لو نُقل إلى السياق العربي الأوسع، كفيل بإعادة تعريف دور الشباب من متلقين إلى فاعلين.
إن نقل تجربة ربع قرن عربيا ليس ترفا فكريا، بل ضرورة تنموية. فنحن في المنطقة العربية نواجه تحديات متشابهة: بطالة الشباب، ضعف الثقة بالمستقبل، وانفصال التعليم عن الواقع. وتجربة الشارقة تقدم نموذجا عمليا لكيفية تمكن المؤسسات أن تكون جزءا من الحل، لا مجرد شاهد على الأزمة.
لا أدعو هنا إلى استنساخ التجربة كما هي، فلكل مجتمع خصوصيته، لكنني أدعو إلى تبني روحها: الاستثمار المبكر في الإنسان، الإيمان بقدرات الشباب، والعمل طويل الأمد بعيدا عن الضغوط السياسية والإعلامية. هذه الروح هي ما يجعل ربع قرن تجربة قابلة للانتقال، لا مجرد قصة نجاح محلية.
ختاما، ومن موقعي كمواطن أردني معني بكل فكرة تخدم مستقبل المنطقة، أرى أن مؤسسة ربع قرن تمثل ما نحتاجه عربيا اليوم أكثر من أي وقت مضى: مؤسسة تؤمن بأن بناء الإنسان ليس شعارا، بل قرارا استراتيجيا، وأن مستقبل الأوطان يبدأ من طفل يُصغى إليه، وشاب يُمنح الثقة، ومجتمع يراهن على أبنائه بوعي وشجاعة. فهنيئا لشعب الإمارات بمثل تلك المؤسسات.