الرئيسية رئيسيحين تمتلئ السدود… رسالة مطر إلى أمن الأردن المائي

حين تمتلئ السدود… رسالة مطر إلى أمن الأردن المائي

من mk
A+A-
Reset

خاص – محرر خبر جديد – لا يمكن النظر إلى امتلاء ستة سدود في المملكة بسعتها التخزينية الكاملة على أنه خبر موسمي عابر، بل هو مؤشر استراتيجي يحمل دلالات عميقة في بلد يُصنّف من أفقر دول العالم مائيًا. فبلوغ نحو 34 مليون متر مكعب من التخزين الكامل في مرحلة مبكرة من الموسم المطري يعكس تحوّلًا إيجابيًا نسبيًا في معادلة طالما كانت مختلة، ويبعث برسالة أمل حذرة في ملف يُعد من أكثر الملفات حساسية على المستويين الاقتصادي والأمني.

الموسم المطري الحالي، وفق المعطيات الرسمية، لا ينعش السدود فقط، بل ينعكس مباشرة على منظومة المياه الجوفية التي تشكل العمود الفقري للتزويد المائي في الأردن. فارتفاع نسب التغذية الجوفية بين 3 و5 بالمئة في هذه المرحلة يُعد مكسبًا مهمًا، خاصة في ظل سنوات طويلة من الاستنزاف المفرط للأحواض المائية، وتراجع معدلات الهطول، وازدياد الطلب المرتبط بالنمو السكاني واللجوء والتوسع الحضري والزراعي.

أهمية امتلاء سدود رئيسة كسد الموجب، ووادي شعيب، ووادي الكرك، لا تكمن فقط في الأرقام، بل في ما تمثله من تخفيف محتمل للضغوط خلال فصل الصيف، الذي غالبًا ما يشهد أزمات تزويد وانقطاعات طويلة في بعض المناطق. فكل متر مكعب مخزّن اليوم هو هامش أمان إضافي في مواجهة أشهر الجفاف المقبلة، وهو أيضًا تقليل نسبي للاعتماد على مصادر أكثر كلفة، سواء من الضخ الجوفي العميق أو مشاريع التحلية والنقل البعيد.

في البعد البيئي، لا يقل أثر هذا الموسم أهمية، إذ أسهم الجريان الكبير في الأودية في تحسين الغطاء النباتي، ودعم التنوع الحيوي، وتقليل ملوحة التربة في مناطق زراعية عانت طويلًا من الإجهاد المائي. وهذه النتائج، وإن بدت غير مباشرة، إلا أنها تشكل عنصرًا داعمًا للاستدامة البيئية، التي لا تنفصل عن الأمن الغذائي والاجتماعي.

غير أن هذا التحسن، على أهميته، لا يعني تجاوز الأزمة المائية البنيوية التي تواجهها المملكة. فالسعة التخزينية الكلية للسدود، رغم بلوغها نحو 288 مليون متر مكعب، تبقى محدودة مقارنة بحجم الطلب المتزايد، كما أن التغير المناخي يجعل من المواسم الماطرة الجيدة استثناءً لا قاعدة يمكن الركون إليها. من هنا، فإن قراءة هذا الموسم يجب أن تكون واقعية: تفاؤل محسوب لا يُفضي إلى تراخٍ في سياسات الترشيد، ولا إلى تأجيل الإصلاحات المطلوبة في إدارة الموارد المائية.

في هذا السياق، تبرز أهمية الجهود المؤسسية التي أعلنت عنها وزارة المياه والري في ما يتعلق بالمتابعة الفنية والهندسية المستمرة للسدود، وضمان سلامتها، وهو عنصر أساسي في بناء الثقة العامة، خصوصًا في ظل حوادث إقليمية سابقة أثارت مخاوف من مخاطر السدود خلال فترات السيول.

خلاصة المشهد أن امتلاء السدود الستة يمثل فرصة ثمينة، لكنه في الوقت ذاته اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على تحويل الهطول المطري من نعمة موسمية إلى رافعة استراتيجية طويلة الأمد. فالأمن المائي لا يُبنى بالأمطار وحدها، بل بحسن إدارتها، وعدالة توزيعها، وحماية مصادرها، وترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول لها. وبين التفاؤل المشروع والحذر الواجب، يبقى المطر رسالة أمل… لكن ترجمتها إلى استقرار مائي دائم مسؤولية مشتركة لا تحتمل التأجيل.

شاهد ايضا

Focus Mode