بقلم: محمد الحواري
في ليلةٍ باردة، على جانب الطريق كانت أمٌّ تُنيم طفلها داخل سيارةٍ قد توقفت على طرف الطريق. لم تكن لاجئة في مخيم، ولا نازحة في إحصائية، ولا ضحية في تقريرٍ عاجل. كانت فقط أمًّا تحاول أن تُقنع طفلها أن هذا “مؤقت”. مرّت سيارات كثيرة، فيها كاميرات كثيرة… لكن لم يتوقف احد. لأنها ببساطة مجرّد ام لا تنتمي إلى “القصة التي تُروى”.
في زمنٍ تُقاس فيه المآسي بعدد القتلى والنازحين، أصبح الإنسان رقمًا… ثم أصبح لاحقًا خارج الرقم أصلاً. هناك من يُحصى، فتُكتب عنه التقارير، وتُبنى عليه الاستجابات. وهناك من لا يُحصى، فيبقى عالقًا بين الحياة والنسيان، لا يصل إلى مخيم، ولا يسجّل في قاعدة بيانات، ولا يمرّ في نشرة أخبار.
الإعلام، دون أن يقصد، أصبح شريكًا في هذه الفجوة. فهو يرى ما يُوثّق، ويعرض ما يُقاس، ويُضخّم ما يمكن اختصاره في رقم. لكن ماذا عن الذين يعيشون خارج العدسة؟ عن أولئك الذين يختبئون في البيوت المؤقتة، في السيارات، في ظلال المدن؟ هؤلاء لا يطلبون الكثير… فقط أن يُروا.
السؤال الأخلاقي هنا ليس عن حجم الكارثة، بل عن حدود رؤيتنا لها. هل المأساة هي ما يحدث… أم ما لا نراه مما يحدث؟
حين تختفي المأساة من الشاشات، لا تختفي من الواقع. بل تتحوّل إلى عبءٍ صامت، يُحمله أناس لم يُمنحوا حتى حق أن يكونوا أرقامًا.
ربما لم يعد للإنسان قيمة تحتسب او ربما لم يعد قصة تروى … ربما!!
من سيكتب حكاية إنسان لم يذكر اسمه؟

