عمان – أكد خبراء أن مشروع تطوير حقل غاز الريشة بات أحد أبرز المشاريع الوطنية الاستراتيجية التي يعول عليها الأردن في تعزيز أمنه الطاقي وتقليص الاعتماد على الإستيراد ضمن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي (2026–2029)، وإستراتيجية قطاع الطاقة (2025–2035).
وبين الخبراء أن نجاح المشروع من شأنه أن يعزز الاستقرار الاقتصادي الكلي ويمهد لمرحلة جديدة من الاكتفاء الذاتي والنمو المستدام، مع التشديد في المقابل على ضرورة ربط أي تقييم للحقل بحجم الاحتياطيات المؤكدة وجدواه الاقتصادية.
ويشار إلى أن الغاز الطبيعي يساهم حاليا بما نسبته 66 % من إنتاج الكهرباء في الأردن، فيما تستورد المملكة إجمالي الغاز لتوليد الكهرباء بكميات تصل إلى 340 مليون قدم مكعب يوميا.
ووفقا لأرقام حكومية، تجاوز إنتاج حقل الريشة 75 مليون قدم مكعب يوميا خلال العامين الماضي والحالي، ضمن خطة تصاعدية تستهدف رفع الإنتاج إلى نحو 150 مليونا بحلول 2029، وصولا إلى نحو 418 مليون قدم مكعب في العام 2030، وتستخدم الكميات لتغذية محطة الريشة إلى جانب تزويد عدد من الصناعات بالغاز الطبيعي.
وبحسب دراسة أعلنتها وزارة الطاقة والثروة المعدنية نهاية العام 2024، يقدَّر متوسط احتياطيات حقل الريشة بنحو 11 تريليونًا و990 مليار قدم مكعب، مع إمكان استخراج قرابة 4.6 تريليون قدم مكعب، أي نحو 39 % من إجمالي الاحتياطي.
وتتراوح الكميات القابلة للاستخراج بين 2.835 و6.350 تريليون قدم مكعب وفق السيناريوهات المختلفة، بحسب أرقام الدراسة.
كما أظهرت الدراسة، التي أعدّتها شركة “إس إل بي”، إمكانية ارتفاع الاحتياطيات في السيناريو المتفائل إلى نحو 14 تريليونًا و600 مليار قدم مكعب، يمكن استخراج قرابة 6.650 تريليون قدم مكعب منها.
ويقع حقل الريشة في شمال شرق الأردن على بعد نحو 370 كيلومترا من العاصمة عمّان، ضمن منطقة امتياز تبلغ مساحتها نحو 7500 كيلومتر مربع، تحدها العراق شرقا، وسورية شمالا، والسعودية جنوبا.
المدير العام الأسبق لشركة الكهرباء الوطنية، د.أحمد حياصات، قال: “إن نجاح الأردن في تطوير حقل الريشة إلى مستوى يغطي احتياجات المملكة من الغاز الطبيعي سيشكل إنجازا إستراتيجيا كبيرا، لما يمثله من تعزيز لأمن التزود بالطاقة والاعتماد على مصدر محلي بدلا من المصادر المستوردة”.
وأضاف حياصات: “الاعتماد على الغاز المحلي سينعكس إيجابا على كلفة إنتاج الكهرباء، إذ يعد الغاز من أقل مصادر الوقود كلفة مقارنة بالبدائل التقليدية” لافتا إلى أن الغاز الأردني، في حال إنتاجه بكميات تجارية، سيكون أقل كلفة من الغاز المستورد، الأمر الذي سيسهم في خفض تكلفة إنتاج الكيلوواط/ساعة من محطات التوليد، ويعزز تنافسية قطاع الطاقة ويخفف الأعباء الاقتصادية.
وأكد حياصات، في المقابل، أهمية التعامل بواقعية مع التوقعات المرتبطة بحقل الريشة، مشددا على ضرورة التأكد من وجود احتياطيات مثبتة وكميات قابلة للإنتاج التجاري، مبينا أن الإعلان عن قدرة الحقل على تلبية جزء أو كامل احتياجات المملكة يجب أن يستند إلى اكتشافات مؤكدة.
ورأى الباحث في شؤون الطاقة، عامر الشوبكي، أن حقل الريشة يمثل فرصة إستراتيجية واعدة قد تتحول إلى أحد أهم ركائز أمن الطاقة الوطني، إلا أن نجاحه يجب أن يقاس بالاحتياطيات المؤكدة القابلة للاستخراج، والإنتاج التجاري المستدام، وكلفة الغاز المنتج، وقدرة المملكة على نقله وتسويقه، وليس بمجرد الأرقام المعلنة أو المستهدفات المستقبلية.
ولفت إلى أن الكميات المستخدمة أو المباعة حاليا من حقل الريشة تتراوح بين 16 و20 مليون قدم مكعب يوميا، في حين يبلغ متوسط استهلاك الأردن نحو 340 مليون قدم مكعب يوميا، ما يعني أن مساهمة الحقل الفعلية لا تزال بحدود 5 إلى 6 %.
وفي المقابل، تتحدث الخطط عن رفع القدرة الإنتاجية إلى ما بين 50 و62 مليون قدم مكعب يوميا، ثم إلى 75 مليونا، وصولا إلى أكثر من 400 مليون قدم مكعب بحلول عام 2030، إلا أن هذه الأرقام تمثل مستهدفات مستقبلية وليست إنتاجا متاحا أو احتياطيات مؤكدة.
وأشار الشوبكي إلى أن أهمية الحقل لأمن الطاقة الأردني تبقى كبيرة، لأن كل مليون قدم مكعب ينتج محليا يعني خفضا في كميات الغاز المستورد وتقليصا لفاتورة الاستيراد بالعملات الأجنبية، إضافة إلى الحد من انكشاف المملكة أمام تقلبات الأسعار أو اضطرابات الإمدادات الإقليمية.
وبين أنه إذا استقر الإنتاج عند نحو 18 مليون قدم مكعب يوميا، فإن ذلك يعادل نحو 6.6 مليار قدم مكعب سنويا من الغاز المحلي، فيما قد يغطي الوصول إلى إنتاج تجاري مستدام يبلغ 75 مليون قدم مكعب يوميا نحو 22 % من مستويات الاستهلاك الحالية، مع الأخذ بالحسبان احتمال ارتفاع الطلب مستقبلا.
وأضاف أن حجم الوفر المالي لا يمكن تقديره بدقة قبل معرفة كلفة إنتاج غاز الريشة ومعالجته ونقله، ثم مقارنته بسعر الغاز المستورد، موضحا أن الوفر الحقيقي لا يتمثل في القيمة الإجمالية للغاز المنتج، وإنما في الفارق بين كلفة إنتاج الغاز المحلي وكلفة البديل المستورد.
كما بين أن غاز الريشة يمكن أن يعزز موثوقية قطاع الكهرباء إذا وصل إلى محطات التوليد بكميات مستقرة وكلفة تنافسية، بما يخفف من تأثير تقلبات الأسعار العالمية ويساعد على استقرار كلفة إنتاج الكهرباء، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض تعرفة الكهرباء مباشرة، لأن التعرفة تشمل أيضا كلف الشبكات والتمويل والقدرات التوليدية والتزامات شركة الكهرباء الوطنية، وفي مقدمتها خدمة الدين.
ولفت الشوبكي إلى أن الغاز المحلي لا ينافس مصادر الطاقة المتجددة، بل يكملها، إذ إن إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح يتأثر بالظروف الطبيعية، بينما تستطيع محطات الغاز توفير الإسناد للشبكة عند تراجع إنتاج الطاقة المتجددة.
كما أن تطوير حقل الريشة من شأنه توفير فرص عمل في أعمال الحفر والخدمات الهندسية والصيانة ومد خطوط الأنابيب والنقل ومعالجة الغاز، إلى جانب فرص غير مباشرة للصناعة إذا توفر الغاز بأسعار تنافسية، شريطة أن تتضمن العقود نسبا واضحة لتشغيل الأردنيين وتدريبهم ونقل الخبرات والتكنولوجيا إليهم.
تبعا ذلك، قال الخبير في شؤون الطاقة، هاشم عقل، إن مشروع تطوير حقل الريشة يمثل أحد أهم التحولات الإستراتيجية التي يشهدها قطاع الطاقة في الأردن منذ اكتشاف الحقل، إذ يفتح المجال أمام زيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي بعد سنوات من الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد.
وأوضح أن نجاح خطط التطوير وفق الجداول الزمنية المعلنة من شأنه أن يعيد رسم معادلة أمن الطاقة في المملكة، وأن ينعكس تدريجيا على كلفة إنتاج الكهرباء وتعزيز الاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة.
وأشار عقل إلى أن الأردن يعتمد حاليا على الغاز الطبيعي في توليد معظم احتياجاته من الكهرباء، فيما يبلغ الاستهلاك اليومي نحو 340 مليون قدم مكعب، في حين ما يزال الإنتاج المحلي، المتمركز في حقل الريشة، يغطي جزءا محدودا من هذا الطلب.
وبين أن الحكومة وشركة البترول الوطنية وضعتا برنامجا متكاملا لتطوير الحقل يشمل حفر ما يصل إلى 80 بئرا جديدة خلال السنوات المقبلة، وإنشاء مرافق حديثة لمعالجة الغاز، وربط الحقل بخط الغاز العربي، إلى جانب تمديد امتياز شركة البترول الوطنية حتى العام 2061، وتوفير دعم حكومي وتمويل لتسريع أعمال التطوير.
وأوضح أن الخطة تستهدف رفع إنتاج الحقل إلى 418 مليون قدم مكعب يوميا بحلول العام 2029، ثم إلى نحو 810 ملايين قدم مكعب يوميا بحلول العام 2035، لافتا إلى أن تحقيق هذه المستويات لن يقتصر على تغطية احتياجات المملكة الحالية من الغاز، بل قد يتيح توفير كميات إضافية يمكن توجيهها إلى الصناعات أو التوسع في إنتاج الكهرباء.
وأضاف أن العام الحالي شهد خطوات عملية في هذا الاتجاه، من أبرزها إقرار مشروع ربط حقل الريشة بخط الغاز العربي، واستمرار برنامج حفر الآبار، ورصد دعم حكومي بقيمة 87 مليون دينار على ثلاث سنوات، إلى جانب مواصلة تنفيذ برنامج تطوير الحقل.
وأكد عقل أن الأثر الاقتصادي للمشروع سيكون واسعا في حال نجاحه، إذ إن كل قدم مكعب ينتج محليا يعني تقليص كميات الغاز المستورد، وخفض الضغط على احتياطيات العملات الأجنبية، وتحسين الميزان التجاري، وتعزيز أمن التزود بالطاقة.
كما أن الاعتماد على الغاز المحلي يقلل من تعرض المملكة لتقلبات الأسواق العالمية أو المخاطر الجيوسياسية التي قد تؤثر في الإمدادات الخارجية، ويوفر بيئة أكثر استقرارا لجذب الاستثمارات، ولا سيما في الصناعات الثقيلة والكيماوية والأسمدة والتعدين والصناعات الغذائية.
وأضاف: “القطاع الصناعي سيكون من أكبر المستفيدين من زيادة إنتاج الغاز المحلي، إذ إن انخفاض كلفة الغاز ينعكس مباشرة على خفض كلف الإنتاج، ورفع القدرة التنافسية للصادرات الأردنية، وجذب استثمارات صناعية جديدة، وتوفير فرص عمل، فضلا عن أن إيصال الغاز عبر الشبكات بدلا من الوقود السائل يساهم في خفض كلف التشغيل وتقليل الانبعاثات”.
وفيما يتعلق بقطاع الكهرباء، أوضح عقل أن زيادة الاعتماد على غاز الريشة ستؤدي إلى خفض كلفة الوقود المستخدم في محطات التوليد، وتقليل مخاطر انقطاع الإمدادات الخارجية، وتحسين الوضع المالي لشركة الكهرباء الوطنية، بما يخفف الأعباء على المالية العامة.
لكنه شدد على أن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاضا فوريا في فاتورة الكهرباء للمواطنين، لأن التعرفة ترتبط أيضا بكلف النقل والتوزيع، والاستثمارات في الشبكة، ومستويات الطلب، والسياسات الحكومية، مرجحا أن يظهر الأثر بداية في تحسين أوضاع قطاع الكهرباء والحد من أي زيادات مستقبلية في التعرفة.
وحددت الحكومة أسعار بيع غاز الريشة للقطاع الخاص للشهر الحالي عند 3.768 دينار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية للغاز المنتج من حقل الريشة، و 8.518 دينار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية للغاز المضغوط، و 12.168 دينار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية للغاز المسال.
وخصصت الحكومة في الميزانية الحالية نحو 35 مليون دينار لتطوير الحقل عبر شركة البترول الوطنية، من إجمالي إنفاق رأسمالي للقطاع يناهز 57.5 مليون دينار، بهدف تسريع أعمال الحفر ورفع الإنتاج خلال السنوات المقبلة.

