شهدت الأيام الماضية إعلان تحالف أيقوني بين عملاقي التكنولوجيا في وادي السيليكون، غوغل وآبل، في خطوة من شأنها إعادة تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.
وقررت آبل التخلي عن محاولاتها لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها، والاعتماد بدلاً من ذلك على نموذج خارجي بالكامل هو “جيميناي” (Gemini) من غوغل، لتشغيل المزايا الجديدة المنتظرة لمساعدها الصوتي “سيري” (Siri).
ورغم أن تقريرًا لوكالة “بلومبيرغ” كشف في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عن وجود هذا التعاون، فإن الإعلان الرسمي المشترك بين الشركتين أثار جدلًا واسعًا في الأوساط التقنية، وأسهم في ارتفاع القيمة السوقية لشركة “ألفابيت” المالكة لغوغل لتتجاوز 4 تريليونات دولار خلال ساعات قليلة.
ويطرح هذا التعاون تساؤلات عديدة حول مكاسب كل شركة من الصفقة، وما إذا كان المستخدم سيشعر بتأثيرها المباشر، أم أنها تندرج ضمن تحالفات تجارية بعيدة عن تجربة المستخدم اليومية.
آبل تكسب رغم خسارتها
اعترفت آبل ضمنيًا بتراجعها في سباق نماذج الذكاء الاصطناعي، بعد إعلان تعاونها مع غوغل لاعتماد نموذج “جيميناي” بدلًا من نماذجها التي عملت على تطويرها خلال السنوات الماضية.
ورغم الخسارة المعنوية، كشف هذا القرار عن نقطة القوة الحقيقية لآبل، والمتمثلة في حجم مبيعات أجهزتها وانتشارها الواسع. ووفق تقرير لشبكة “سي إن بي سي” الأميركية، باعت آبل خلال العام الماضي أكثر من 247 مليون هاتف، محققة نموًا بنسبة 6% مقارنة بالعام السابق، ومتجاوزة رقمها القياسي المسجل عند إطلاق “آيفون 13” عام 2021.
وشهدت قطاعات أخرى في الشركة مبيعات قوية أيضًا، بما في ذلك الحواسيب المحمولة واللوحية والمكتبية، ما دفع آبل إلى التركيز على ما تتقنه، وترك سباق نماذج الذكاء الاصطناعي لصالح شركات أخرى.
وبحسب تقرير صحيفة “فاينانشيال تايمز”، فإن نموذج “جيميناي” هو الفائز الحقيقي من هذا التعاون، وهو ما انعكس مباشرة على ارتفاع قيمة “ألفابيت” والضجة الإعلامية المصاحبة للنموذج.
وتجدر الإشارة إلى أن آبل تخلت عن شراكتها السابقة غير المباشرة مع “شات جي بي تي”، مع الإبقاء على إمكانية أن يطلب المستخدم من “سيري” الاستعانة به للإجابة عن الأسئلة، حتى في ظل التعاون مع “جيميناي”.
ورغم عدم إعلان الشركتين عن قيمة الصفقة أو مدتها، يشير تقرير “بلومبيرغ” إلى أن آبل ستدفع نحو مليار دولار سنويًا لغوغل مقابل استخدام نموذج “جيميناي”.
ويمنح هذا التعاون آبل فرصة للتركيز على دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمتها بطريقة عملية تشجع المستخدمين على الاعتماد عليه، وهو ما وصفه تقرير لموقع “ذا فيرج” بأنه المعيار الحقيقي لنجاح الشركة في هذا المجال.
وأكد ويليام كيروين، كبير محللي الأسهم في شركة “مورنينغ ستار”، أن هذه الخطوة أنقذت آبل من أزمة “Apple Intelligence” التي أعلنت عنها عام 2024 دون أن تقدمها فعليًا حتى الآن.
غوغل تعيد سيناريو الماضي
أعاد هذا التحالف إلى الأذهان أول تعاون كبير بين آبل وغوغل عام 2002، حين جرى اعتماد محرك بحث غوغل كمحرك افتراضي على أجهزة آبل، وهي صفقة دفعت غوغل بموجبها أكثر من 20 مليار دولار لآبل في عام 2022 وحده.
ورغم الفوائد الكبيرة التي جنتها غوغل من انتشار محركها عبر أجهزة آبل، فإن هذه الصفقة فتحت الباب لاحقًا أمام تحديات قانونية، أبرزها قضايا الاحتكار التي واجهتها الشركة عام 2024.
وأشار كيروين إلى أن هذه الصفقة الجديدة كان من الممكن منعها في إطار محاكمات مكافحة الاحتكار، إلا أن القاضي لم يعتمد هذا التوجه، ما سمح بإتمام التعاون.
ويتمثل المكسب الأساسي لغوغل في ترسيخ نموذج “جيميناي” في أذهان المستخدمين باعتباره الخيار الأفضل، تمامًا كما حدث مع محرك البحث سابقًا، بعد اختيار آبل له دون غيره.
أين المستخدم؟
أكدت آبل وغوغل في بيانهما المشترك أن “جيميناي” سيعمل عبر البنية التحتية لآبل، وباستخدام معايير الخصوصية والحوسبة السحابية الخاصة بها، دون توضيح آلية التنفيذ أو كيفية دمج النموذج فعليًا داخل النظام.
وبحسب التحليلات، يمكن لآبل الاستفادة من “جيميناي” إما عبر نسخة بيضاء دون علامة تجارية ودمجها بالكامل في النظام، أو من خلال ربط “سيري” مباشرة بخوادم غوغل بعد الحصول على موافقة المستخدم.
ولم يتطرق البيان إلى بقية مزايا الذكاء الاصطناعي في أنظمة آبل، مثل أدوات الكتابة وتوليد الصور وتعديلها، مكتفيًا بالإشارة إلى “سيري”، ما يفتح الباب أمام احتمالات توسيع التعاون مستقبلًا ليشمل خدمات أخرى.