الرئيسية مقالاتالكابتن ليس مجرد قائد طائرة، بل ملك الأردن

الكابتن ليس مجرد قائد طائرة، بل ملك الأردن

من mk
A+A-
Reset

بقلم: الدكتور نضال المجالي

في لحظة تختلط فيها القراءات وتتزاحم التقديرات، جاءت جولة الملك إلى الإمارات والبحرين وقطر كحقيقة تتقدّم على كل تحليل، وكميزان يُعاد ضبطه قبل أن تُستكمل الأسئلة. لم تكن مجرد حركة دبلوماسية، بل إعلان صامت بأن هناك من يرى أبعد، ويقرأ أدق، ويتحرك بثقة من يعرف أن الزمن لا ينتظر المترددين.

ما نراه في هذه الجولة ليس فقط حضورا سياسيا، بل فطنة ملك تُمسك بالخيوط دون أن تُظهرها، وترتيبا دقيقا لمشهد إقليمي يزداد تعقيدا. في كل محطة، كان هناك ما يشبه إعادة تعريف الأولويات، ليس عبر التصريحات المباشرة، بل عبر لغة أعمق، لغة الفعل الهادئ الذي يغيّر موازين دون ضجيج. هنا، لا تُدار السياسة بردود الأفعال، بل تُصاغ كفعل استباقي يسبق الاحتمالات.

وحين تُغلق الأجواء وتُعلّق المطارات، يظن البعض أن الحركة تتوقف. لكن في هذه الحالة، بدا الأمر مختلفا تماما؛ لأن الكابتن ليس مجرد قائد طائرة، بل ملك الأردن. وعندما يكون القائد كذلك، تصبح السماء طريقا لا عائقا، وتتحول القيود إلى تفاصيل صغيرة في رحلة أكبر عنوانها الاستمرار. إنها رسالة واضحة: أن الإرادة السياسية القادرة لا تعترف بالحدود التقليدية حين يتعلق الأمر بحماية التوازن وصناعة الاستقرار.

التنقل بين هذه العواصم لم يكن عبورا عاديا، بل أشبه برحلة في عمق المشهد الخليجي، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك التحديات. ومع ذلك، حملت الجولة خيطا ناظما، أن هناك مقاربة مختلفة، أكثر هدوءا، لكنها أكثر تأثيرا. مقاربة ترى أن الاستقرار لا يُفرض، بل يُبنى، وأن الشراكات الحقيقية تُختبر في اللحظات الأصعب، لا في أوقات الرخاء.

في النهاية، تتقدّم هذه الجولة على كل ما كُتب ويُكتب عنها، لأنها ببساطة تُعيد تعريف الإطار نفسه الذي تُقرأ من خلاله الأحداث. إنها ليست ردا على ظرف، بل صناعة لظرف جديد. وفي زمن “زحمة الصافرات”، حيث يعلو الضجيج وتضيق الرؤية، يختار الملك أن “يركب السماء” مرة أخرى، لا ليهرب من العاصفة، بل ليقودها نحو توازن مختلف، تُصاغ فيه السياسة كفن للثبات وسط الحركة، وكحكمة تعرف متى تتقدم… ومتى تجعل الآخرين يلهثون خلفها.

شاهد ايضا

Focus Mode