في غضون عامين فقط، تغيرت قواعد صناعة الإعلام كما نعرفها. فبعد أن كانت الأفكار تتحول إلى محتوى بصري عبر سنوات من الجهد والخبرة والتقنيات المعقدة، جاء الذكاء الاصطناعي التوليدي ليعيد رسم الحدود بين الخيال والتقنية.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل أصبح شريكا إبداعيا قادرا على كتابة النصوص، وتوليد المشاهد، وتركيب الأصوات، وحتى اقتراح الإيقاع السردي للقصة. وبينما يراه البعض تهديدا، لا يمكن إنكار أن العالم يشهد قفزة نوعية في تكنولوجيا الفيديو بالذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الأخيرة.
تقول لورا سيونتون جوبتا من منصة “إل بي بي” (LBB) إن القفزات السريعة في تكنولوجيا الفيديو بالذكاء الاصطناعي التوليدي أدت إلى ظهور لاعبين جدد، وتحوّل أسماء راسخة في طريقة عملها. فشركات الإنتاج التجاري التي كانت تعتمد على فرق ضخمة وميزانيات هائلة، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد تقوده أدوات ذكية قادرة على توليد محتوى أولي خلال ساعات بدلا من أسابيع.
وتشير تجارب مثل “سيلفر سايد” و”أنيما أستوديو” إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد امتيازا للمحترفين فقط، بل أصبح أداة ديمقراطية تفتح الباب أمام مبدعين جدد لتغيير قواعد الصناعة.
وخلال الأشهر الـ18 الماضية، شهد العالم طفرة مذهلة في قدرات توليد الصور والفيديو بالذكاء الاصطناعي. إذ أطلقت منصات مثل “سورا” و”ران واي” (Runway) و”لوما” تحديثات متقدمة، فيما قدمت غوغل أداة “فيو 3” لتوليد صوت متزامن مع الفيديو.
ويصف كنت بوسيل من شركة “إيه آي كاندي” (AiCandy) هذا التقدم قائلا إن “الفيديوهات التي كانت مرعبة عام 2023 أصبحت اليوم واقعية بشكل مذهل”، مؤكدا التحول الكبير الذي شهده المجال خلال عامين فقط.
وترى سجال أمين من “شاتر ستوك” (Shutterstock) أن الذكاء الاصطناعي أصبح شريكا في العملية الإبداعية، مؤكدة أن دمجه بعناية ضمن سير العمل يوسع حدود الخيال ويساعد على تجسيد الأفكار بسرعة وتجربة مفاهيم جديدة.
ويمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى تأسيس نموذج جديد للإنتاج الإعلامي يعرف بنهج “إيه آي فيرست” (AI First)، حيث يبدأ العمل الإبداعي بالذكاء الاصطناعي وينتهي باللمسة البشرية. ويُعد فيلم “ذا فورست” مثالا على هذا النهج، إذ استخدم الذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص والتعليق والمؤثرات قبل صقلها من قبل خبراء بشريين.
لكن رغم هذا التقدم، تبرز تساؤلات حول تميّز الإبداع وسط وفرة المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي. فسهولة الإنتاج قد تؤدي إلى تشبع السوق بأعمال متشابهة، مما يقلل من القيمة المدركة للإبداع الفريد.
ويظل التحدي الحقيقي في الحفاظ على جوهر الإبداع البشري وسط ديمقراطية إنتاج المحتوى. فتميز الفكرة وجودة التنفيذ سيبقيان العامل الحاسم لنجاح أي عمل إبداعي.
في المقابل، تتجه صناعة الإعلام نحو حقبة جديدة من المحتوى التفاعلي التكيفي الذي يتطور بناء على تفاعل الجمهور. فبدلا من تقديم محتوى ثابت، سيُنتج الإعلام مستقبلا محتوى شخصيا يتغير لحظة بلحظة وفق مشاعر المشاهد واهتماماته.
ويؤكد خبراء الصناعة أن الإبداع البشري سيظل محور العملية رغم تطور الذكاء الاصطناعي. فالأدوات الذكية وحدها لا تصنع المحتوى المتميز، وإنما تكمن قيمتها الحقيقية في تكاملها مع الرؤية الإنسانية والقدرة على سرد القصص وفهم اللغة البصرية.
بهذا المعنى، يصبح الذكاء الاصطناعي منصة انطلاق للإبداع، لا بديلا عنه، وفرصة للمبدعين لاستكشاف آفاق جديدة وابتكار محتوى يثري تجربة الجمهور ويعيد تعريف مستقبل الإعلام.