كشفت دراسة علمية أجراها باحثون في جامعة تورنتو الكندية عن وجود ارتباط بين استهلاك الأطفال للأطعمة فائقة التصنيع في سنوات الطفولة المبكرة وظهور مشكلات سلوكية وعاطفية في مراحل لاحقة من النمو، مثل القلق والخوف والعدوانية وفرط النشاط.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن مرحلة ما قبل المدرسة تُعد فترة حساسة في تطور الطفل، إذ تتشكل خلالها العادات الغذائية الأولى التي قد تؤثر في الصحة الجسدية والنفسية مستقبلاً.
وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، كوزيتا ميليكو، الأستاذة المساعدة في علوم التغذية بكلية الطب في جامعة تورنتو، إن هذه المرحلة العمرية تلعب دوراً مهماً في تحديد أنماط الصحة والسلوك لاحقاً. وأضافت أن النتائج تؤكد الحاجة إلى تدخلات مبكرة لدعم الأنظمة الغذائية الصحية لدى الأطفال، مثل توعية الآباء ومقدمي الرعاية، وتعزيز برامج الصحة العامة، ووضع معايير غذائية في مؤسسات رعاية الأطفال، إضافة إلى تطوير المنتجات الغذائية المعبأة لتكون أكثر صحة.
ارتباط بالصحة السلوكية
ونُشرت الدراسة في مجلة JAMA Network Open، وتُعد من أكبر الدراسات التي تناولت العلاقة بين استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة والصحة السلوكية للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة.
وتشمل هذه الأطعمة منتجات غذائية صناعية تُصنع عادة من مكونات مكررة وتحتوي على إضافات مثل المنكهات الصناعية والمواد الحافظة والمحليات. ومن أبرز أمثلتها المشروبات الغازية والعصائر المحلاة والوجبات السريعة والبطاطس المقلية والبيتزا المجمدة ورقائق البطاطس والحلويات والبسكويت وبعض أنواع الحبوب الجاهزة واللحوم المعالجة.
وغالباً ما تتميز هذه المنتجات بسهولة استهلاكها وطول فترة صلاحيتها، لكنها في المقابل تكون غنية بالسكر أو الدهون أو الملح مقارنة بالأطعمة الطبيعية أو قليلة المعالجة.
وفي كندا، تشكل هذه الأطعمة نحو نصف السعرات الحرارية التي يستهلكها الأطفال في سن ما قبل المدرسة، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة تأثيرها المحتمل على نمو الأطفال وسلوكهم.
متابعة أكثر من ألفي طفل
اعتمدت الدراسة على بيانات مشروع بحثي طويل الأمد تابع مجموعة واسعة من الأطفال منذ ما قبل الولادة وحتى مرحلة المراهقة. وشملت العينة 2077 طفلاً جرى تقييم نظامهم الغذائي في عمر ثلاث سنوات، ثم تقييم سلوكهم في عمر خمس سنوات.
وأظهرت النتائج أن الأطعمة فائقة المعالجة شكّلت في المتوسط 45.5% من إجمالي السعرات الحرارية اليومية للأطفال في عمر ثلاث سنوات، مقابل 37.9% من السعرات القادمة من الأطعمة قليلة المعالجة.
وجرى قياس السلوك باستخدام أداة معيارية تعرف باسم قائمة سلوك الأطفال، وهي مقياس يتكون من 99 بنداً لتقييم المشكلات السلوكية والعاطفية، حيث تشير الدرجات الأعلى إلى وجود تحديات سلوكية أكبر.
زيادة المشكلات السلوكية
أظهرت التحليلات أن كل زيادة بنسبة 10% في السعرات الحرارية القادمة من الأطعمة فائقة المعالجة ارتبطت بارتفاع درجات المشكلات السلوكية لدى الأطفال، بما في ذلك السلوكيات الداخلية مثل القلق والخوف، والسلوكيات الخارجية مثل العدوانية وفرط النشاط.
كما تبين أن بعض أنواع هذه الأطعمة كانت أكثر ارتباطاً بالمشكلات السلوكية، خاصة المشروبات المحلاة بالسكر أو المحليات الصناعية، إضافة إلى بعض الوجبات السريعة مثل البطاطس المقلية والمكرونة بالجبن.
تغييرات غذائية بسيطة قد تساعد
وأظهرت نماذج إحصائية في الدراسة أن استبدال 10% من الطاقة الغذائية القادمة من الأطعمة فائقة المعالجة بأطعمة أقل معالجة مثل الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة ارتبط بانخفاض درجات المشكلات السلوكية لدى الأطفال.
وترى الباحثة ميليكو أن حتى التغييرات الصغيرة في النظام الغذائي يمكن أن تسهم في دعم النمو الصحي للأطفال، مشيرة إلى أن زيادة استهلاك الأطعمة الطبيعية أو قليلة المعالجة في السنوات الأولى من العمر قد يدعم تطوراً عاطفياً وسلوكياً أكثر توازناً.
وأكدت أن الهدف من هذه الأبحاث هو توفير أدلة علمية تساعد العائلات على اتخاذ قرارات غذائية أكثر وعياً، خاصة في ظل الانتشار الواسع للأطعمة المصنعة التي غالباً ما تكون أرخص وأسهل تحضيراً من البدائل الصحية.
وتأتي نتائج الدراسة في سياق تزايد الأدلة العلمية التي تربط بين استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة ومشكلات صحية متعددة، من بينها السمنة وأمراض القلب واضطرابات الأيض، إضافة إلى ارتباطات محتملة مع مشكلات الصحة النفسية والسلوك لدى الأطفال والمراهقين.