بقلم : ابراهيم ناصر
في الدول التي تسعى لترسيخ مفهوم الدولة الحديثة، لا مكان لخلط الأدوار ولا لتسييل المفاهيم. فالمسؤولية العامة لا تُدار بمنطق “الفزعة العشائرية” ولا بردّات الفعل الاجتماعية، لأن الدولة ليست ساحة تضامن عاطفي، بل منظومة مؤسسات يحكمها الدستور والقانون والمساءلة. وحين يتحول الخطأ إلى مناسبة للتبرير، أو الصواب إلى مهرجان تصفيق، فإننا نكون قد ابتعدنا عن جوهر الدولة، واقتربنا من منطق الشخصنة.
المبدأ الأساس واضح ولا يحتمل التأويل: المسيء يجب أن يُحاسب، أيًا كان موقعه، والمحسن لم يقم إلا بواجبه. فالمناصب العامة ليست منصات للمديح، بل مواقع اختبار دائم للقدرة على ضبط النفس، واحترام المؤسسات، وإدارة الخلاف بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة.
وتحت قبة البرلمان، حيث تمارس الرقابة باسم الشعب، يفترض أن يكون الخطاب في أعلى درجات الرصانة. فالسؤال النيابي حق دستوري أصيل، لا منّة فيه ولا تجاوز، والرد عليه واجب سياسي وقانوني وأخلاقي. وحين يصدر عن وزير، فإن الأمر لا يتعلق بشخصه فقط، بل بصورة السلطة التنفيذية كاملة، وبهيبة الدولة التي يمثلها.
قد يعتقد البعض أن كون الحكومة “تكنوقراط” يعفي وزراءها من الالتزام بقواعد الخطاب السياسي، أو يبرر الانزلاق إلى لغة حادة أو غير منضبطة. وهذا فهم قاصر وخطير في آن واحد. فموقع الوزير، مهما كانت خلفيته المهنية أو التقنية، هو موقع سياسي بامتياز. إدارة الحقيبة الوزارية لا تقتصر على الملفات الفنية، بل تشمل التواصل مع البرلمان، والرأي العام، والإعلام، وامتصاص التوتر، وقراءة اللحظة الوطنية بدقة. والخطاب السياسي المتزن ليس خيارًا شخصيًا، بل جزء أصيل من أدوات الإدارة العامة، خاصة في الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد.
إن استخدام لغة غير سياسية في مواجهة نائب منتخب، حتى في ظل اختلاف حاد أو استفزاز محتمل، لا يخدم المصلحة العامة، ولا يعكس نضجًا سياسيًا، خصوصا من وزير شق طريقه نحو الدوار الرابع مرورا من العبدلي وهو مدرك تماما ومن واقع تجربة ليست بعيدة لواجب السلطة البرلمانية علاوة على كونه نتاج شراكة – غير معلنة – للأحزاب السياسية مع السلطة التنفيذية كما أن استخدام لغة غير سياسية لا تنسجم مع النهج الذي أعلنته الحكومة مرارًا، والقائم على القرب من الشارع، واحترام الرأي الآخر، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فالدولة لا تُدار بردّ الفعل، ولا تُقاس قوتها بحدة الخطاب، بل بقدرتها على ضبطه.
إن اللعب على وتر الحالة السياسية السائدة، أو استغلال الظرف الراهن لتوجيه خطاب قاسٍ أو إيحائي تجاه نواب حزب مرخص وله حصة في الحصانة الدستورية، أو غيرهم، يشكل انزلاقًا غير مبرر. فالخلاف السياسي، مهما بلغ، لا يلغي حقيقة أن هؤلاء النواب يستمدون شرعيتهم من الدستور، ومن انتخابات نزيهة شهد لها الجميع، وهم يمثلون شريحة من المجتمع الأردني لا يمكن تجاوزها أو التعامل معها بمنطق الانتقاص. الدولة القوية هي التي تحتمل معارضيها، وتحاورهم، وتخاطبهم بلغة القانون والمؤسسات، لا بلغة اللحظة والانفعال.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند الأداء البرلماني الجاد والمسؤول. فالنائب الذي يمارس دوره الرقابي بشجاعة، ويطرح الأسئلة بوضوح، ويتحمل كلفة الموقف، إنما يؤدي جوهر العمل النيابي كما أراده الدستور. وهنا يجدر الإشادة بكل نائب، يتمتع بجرأة، وقوة حضور، ونشاط برلماني واضح، يقوم بدوره ويقدم نفسه نموذجًا للنائب الفاعل الذي يمثل جوهر السلطة التشريعية والرقابية حق تمثيل.
ختامًا، إن بناء دولة المؤسسات لا يتحقق بالفزعات، ولا بالاصطفافات العابرة، ولا بتحويل النقد إلى معركة شخصية. بل يتحقق حين يدرك كل مسؤول أن موقعه العام يفرض عليه سلوكًا وخطابًا يليقان بالدولة، وحين تخضع جميع المواقع، بلا استثناء، لمعيار واحد: احترام الدستور، والالتزام بالقانون، والإيمان بأن المساءلة ليست تهديدًا، بل ضمانة. عندها فقط، يكون الخلاف علامة صحة، ويصبح البرلمان سلطة حقيقية، وتكون الدولة أقوى من الجميع.